
إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيّعوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وحرّم
أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء – رحمة لكم غير نسيان – فلا تبحثوا
عنها ) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره
متأملين لهذا الحديث فإننا نلحظ ما فيه من استيعاب لأحكام الشريعة
الإسلامية وما فيه من توضيح لطبيعة هذا الدين وحقيقته ولأجل ذلك أولى
العلماء هذا الحديث اهتماما بالغا قادهم إلى دراسته واستخراج معانيه وبلغ
بهم أن قالوا عن هذا الحديث : ” ليس في الأحاديث حديث واحد أجمع بانفراده
لأصول الدين وفروعه من هذا الحديث “
إلى هذا الحديث فإننا نجد أن النبي صل الله عليه وسلم قد حدد لنا معالم
هذا الدين وطبيعته فعبّر عن شرع الله بألفاظ أربعة : الفرائض والمحارم والحدود والمسكوت عنه وترتبط هذه الألفاظ ارتباطا وثيقا محكما لترسم
لنا التصوّر الصحيح للمنهج الذي ينبغي أن يسير عليه المسلم في هذه الدنيا
إنه توجيه إلى عدم التفريط في أداء الفرائض والفرائض هي الواجبات
الشرعية التي أوجبها الله على عباده وألزمهم بها ومنها ما يكون واجبا على
كل أفراد الأمة وهو ما يسمّى بالفرائض العينيّة ومنها ما هو واجب على
الكفاية أي : إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين
الفرائض – بنوعيها – واجبة على كل مكلّف مادام مستطيعا وإذا ورد الأمر من
الله تعالى أو من رسوله صل الله عليه وسلمفلا مجال لردّه أو عدم تنفيذه لأن هذا هو مقتضى إيمان العبد بالله ورسوله كما قال الله تعالى في
كتابه : { وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } ( الأنفال : 1 ) فهذه الطاعة هي هي عنوان العبودية والتسليم لحكم الله وشرعه
نصوص الوحيين فإننا نجد أنه قد جاء التعبير عن الفرض بكلمة أخرى هي الواجب
والحقيقة أنه لا فرق بين هذين اللفظين من حيث العمل فكلاهما لازمٌ أداؤه لكن ذهب بعض أهل العلم – كالإمام أحمد وغيره
– إلى التفريق بينهما من ناحية المرتبة ، فجعلوا ما ثبت عن طريق الكتاب
فرضا وما ثبت عن طريق السنة واجبا وبعضهم جعل الفرض أعلى رتبة من
الواجب لأن الفرض عندهم هو ما ثبت بدليل قطعي والواجب ما ثبت بالظن
وعلى أية حال فإن هذا تفريق اصطلاحي لا يؤثر على حكم العمل بهما
فدعا إلى ترك المعاصي بجميع أنواعها وإنما عبّر هنا بلفظ الانتهاك
ليبيّن ما عليه حال من يقارف المعاصي من تعدٍّ وعدوان على أحكام الله عزوجل فأتى بهذه اللفظة للتنفير عن كل ما نهى الله عنه
التكليف كله على فعل المأمور وترك المحذور والتقيد بأحكام الشريعة والالتزام بما ورد فيها والوقوف عند حدودها وعدم تجاوزها أكد النبي صل الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( وحدّ حدودا فلا تعتدوها )
وردت في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة ولها مدلولات كثيرة بحسب ما تتعلق
به ففي الأوامر : يكون الوقوف عند حدود الله بعدم الخروج عن دائرة
المأذون به إلى دائرة غير المأذون وأما فيما يتعلّق بالنواهي فيحرم مجرّد الاقتراب منها لأن الله تعالى إذا حرّم شيئاً حرّم كل ما يؤدي
إليه وتلك هي خطوات الشيطان التي جاء التحذير منها في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } ( النور : 21 )
هو موقف المسلم تجاه ما ورد بيانه في الشريعة فما هو موقفه تجاه ما سكت
عنه الشرع ولم يوضح حكمه ؟ وللجواب عن هذا نقول : إذا لم يرد نصّ في حكم
مسألة ما فإننا نبقى على الأصل وهو الإباحة
إنه سكوت عن إظهار حكمه ومقتضاه أن يكون باقيا على أصل إباحته وليس
معنى هذا جواز الابتداع في الدين والزيادة فيه بحجة أنه مسكوت عنه فإن
الابتداع ليس مسكوتا عنه بل هو محرّم كما دلّت الأدلّة على ذلك
يتبين لنا معاني تلك الألفاظ الأربعة والتي ترشدنا إلى القيام بحقوق الله
ولزوم شريعته مع العفو عما سُكت عنه فدخل الدين كله في تلك الكلمات
القليلة الجامعة المانعة
الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صل الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبّني الناس فقال : ( ازهد في الدنيا يحبّك الله وازهد فيما عند الناس يحبّك الناس ) رواه ابن ماجة
اجتماعي بطبعه يحبّ أن يأنس بالناس وأن يأنس به الناس كما يعجبه أن
يكون محبوبا في مجتمعه محترما في بيئته لذا فهو يسعى دائما لكسب ود
الناس وحبهم والعاقل من البشر من يسعى لرضى ربّ الناس قبل سعيه في كسب
رضى الناس
لنيل محبّة الله ثم محبّة الناس سبيل وطريق من حاد عنه خسر تلك المحبّة ومن سلكه فاز بها وأنس بلذتها ولذلك أورد الإمام النووي رحمه الله هذا الحديث ليكون معلما ومرشدا وليبيّن لنا الكيفية التي ينال بها العبد محبة ربّه ومحبة خلقه
الخالق للعبد منزلة عظيمة فهي مفتاح السعادة وباب الخير ولذلك فإنها
لا تُنال بمجرّد الأماني ولكنها تحتاج من العبد إلى الجدّ والاجتهاد في
الوصول إلى هذه الغاية وقد جاء في الكتاب والسنة بيان للعديد من الطرق
التي تقرّب العبد من مولاه وخالقه وتجعله أهلا لنيل رضاه ومحبته وكان
من جملتها ما أرشد إليه النبي صل الله عليه وسلم في هذا الحديث من التخلق
بخلق الزهد
الأمل في الدنيا وعدم الحزن على ما فات منها وقد تنوعت عبارات السلف
في التعبير عنه وأجمع تعريف للزهد هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال : ” الزهد : هو ترك ما لا ينفع في الآخرة ” وهذا يشمل ترك ما يضر وترك ما لا ينفع ولا يضر
سبق أن الأخذ من طيبات الحياة الدنيا على قدر الحاجة ينافي معنى الزهد
فقد كان من الصحابة من كانت لديه الأموال الكثيرة والتجارات العديدة
كأمثال أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي
الله عنهم أجمعين لكن هذه التجارات وتلك الأموال كانت في أيديهم ولم
تكن في قلوبهم ولهذا ترى الصحابة رضي الله عنهم في باب الصدقة ومساعدة
المحتاج والإنفاق في سبيل الله تراهم كمطر الخير الذي يعطي ولا يمنع
ويسقي حتى يُشبِع
حقيقة الزهد : أن تجعل الدنيا في يدك لا في قلبك فإذا كان العبد مقبلا
على ربّه مبتعدا عن الحرام مستعينا بشيء من المباحات فذلك هو الزهد
الذي يدعو إليه الحديث وصدق بشر رحمه الله إذ يقول : ” ليس الزهد في الدنيا تركها إنما الزهد أن يُزهد في كل ما سوى الله تعالى هذا داود و سليمان عليهما السلام قد ملكا الدنيا وكانا عند الله من الزاهدين “
سلفنا الصالح تلك المعاني وقدروها حقّ قدرها فترجموها إلى مواقف مشرفة
نقل التاريخ لنا كثيرا منها وكان حالهم ما قاله الحسن البصري رحمه
الله : ” أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا إذا
أقبل ولا يأسفون على شيء منها إذا أدبر وكانت في أعينهم أهون من التراب
“
ومعنى ذلك : ألا يكون القلب متعلقا بما في أيدي الناس من نعيم الدنيا
فإذا فعل العبد ذلك مالت إليه قلوب الناس وأحبته نفوسهم
أن القلوب مجبولة على حب الدنيا وهذا الحب يبعثها على بغض من نازعها في
أمرها فإذا تعفف العبد عما في أيدي الناس عظم في أعينهم لركونهم إلى
جانبه وأمنهم من حقده وحسده
الشريعة الإسلامية بشموليتها واتساع معناها بحيث يستطيع المرء أن يعرف من
خلالها الحكم الشرعي لكثير من المسائل التي تندرج تحتها ومن جملة تلك
القواعد العظيمة ما ورد من قول النبي صل الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار )
فإن هذا الحديث على قصره يدخل في كثير من الأحكام الشرعية ويبيّن السياج
المحكم الذي بنته الشريعة لضمان مصالح الناس في العاجل والآجل
لفظ الحديث فإننا نجد أنه قد نفى الضرر أولا ثم نفى الضرار ثانيا
وهذا يشعرنا بوجود فرق بين معنى الضرر ومعنى الضرار وقد ذكر العلماء
كلاما مطولا حول ذلك وأقرب تصوّر لمعنى الكلمتين : أن نفي الضرر إنما قُصد
به عدم وجود الضرر فيما شرعه الله لعباده من الأحكام وأما نفي الضرار :
فأُريد به نهي المؤمنين عن إحداث الضرر أو فعله
نفي الضرر يؤكد أن الدين الإسلامي يرسّخ معاني الرحمة والتيسير وعدم
تكليف الإنسان ما لا يطيق فلا يمكن أن تجد في أحكامه أمراً بما فيه مضرّة أو نهياً عن شيء يحقق المصلحة الراجحة وإذا نظرت إلى ما جاء تحريمه في
القرآن الكريم أو في السنة النبوية فلابد أن تجد فيه خبثا ومفسدة مصداقا
لقوله تعالى : { ويحرّم عليهم الخبائث } ( الأعراف : 157 )
أخرى فإن كل ما ورد في الكتاب والسنة من أوامر فالأصل أنها مقدورة
داخلة ضمن حدود الطاقة وإذا عرض للإنسان أحوال تمنعه من إتمام الامتثال
بالأمر الشرعي كأن يلمّ به مرض أو عجز أو نحوهما فهنا يأتي التخفيف من
الله تعالى كما في رخصة الإفطار في نهار رمضان ورخصة الجمع والقصر في
الصلاة وغير ذلك كثير
المنفي في الدين لا يتناول العقوبة والقصاص لأن عقاب المجرم على جريمته
هو السبيل الوحيد الذي يردع الناس عن انتهاك حدود الله والاعتداء على
حقوق الآخرين بل إننا نقول : إن هذه الحدود التي شرعها الله عزوجل هي
مقتضى العدل والحكمة إذ لا يُعقَل أن نغلّب جانب مصلحة الفرد على حساب
مصلحة المجتمع كله ولا يُعقل أن ننظر بعين العطف على الجاني ونتناسى حق
من جنى عليهم ولذلك يقول الله عزوجل : { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون } ( البقرة : 179 )
الحديث على نفي الضرر في الشريعة بل أتبعه بالنهي عن إضرار العباد بعضهم
لبعض فالمكلف منهي عن كل فعل يترتب عليه إضرار الآخرين سواء قصد صاحبه
الإضرار أم لم يقصد
من أصول الدين فإن الفرد إذا التزم بصيانة حقوق غيره وعدم الإضرار بها
فإن من شأن ذلك أن تقل المنازعات بين الناس فينشأ المجتمع على أساس من
الاحترام المتبادل بين أفراده
الناس عن العمل بهذا المبدأ وصار كل إنسان ينظر إلى مصلحته دون أي اعتبار
للآخرين فهنا تحصل الكارثة وتشيع الأنانية المدمرة وهذا ما جاء
الإسلام بإزالته والقضاء عليه
الإسلام الضرار بكل صوره وجميع أشكاله حتى حرّم الإضرار بالآخرين منذ
ولادتهم إلى حين وفاتهم بل وبعد موتهم فحرّم إضرار الأم بولدها كما
قال الله تعالى : { لا تضار والدة بولدها } (
البقرة : 233 ) وحرّم تغيير الوصية بعد سماعها وحرّم إضرار الموصي في
وصيّته وحفظ للأموات حقوقهم حتى حرّم سب الأموات فما أعظمها من شريعة
وما أحسنه من دين
النساء : 28 ) وهذا الضعف يشمل الضعف النفسي والضعف البدني وقد يصبح
الضعف في بعض الأحيان مولداً للأخلاق الرديئة والصفات الذميمة حتى
يقود الإنسان إلى أن يدّعي على أخيه ما ليس من حقّه فيزعم أنه قد أخذ له
مالاً أو سفك له دماً أو أخذ أرضا بدعوات كثيرة ليست مبنية على دليل
أو برهان بل هي تهم باطلة قائمة على البغي والعدوان
المرجعية فيما يقع بين الناس من اختلاف لعمت الفوضى وانتشر الظلم
وضاعت حقوق الناس وأُهدرت دماء واستبيحت أموال بغير حق لكن من رحمة
الله أنه لم يترك الناس هملا ولم يكلهم إلى أنفسهم بل شرع لهم من
الشرائع ما هو كفيل بتحقيق العدل والإنصاف بين الناس وما هو سبيل لتمييز
الحق من الباطل بميزان لا يميل مع الهوى ولا يتأثر بالعاطفة ولكنه
راسخ رسوخ الجبال قائم على الوضوح والبرهان
الله هذا الحديث ليكون أصلا في باب القضاء بين الناس إذ هو منهج يجب
أن يسير عليه كل من أراد أن يفصل بين خصومات الناس ليعود الحق إلى نصابه
وأهله ويرتدع أصحاب النفوس المريضة عن التطاول على حقوق غيرهم
على الخصم لا يكفي إذا لم تكن هذه الدعوى مصحوبة ببينة تبين صحة هذه
الدعوى كما قال النبي صل الله عليه وسلم : ( لكن البيّنة على المدّعي )
الحق ويبيّنه وعلى هذا فهناك أمور كثيرة يصدق عليها هذا المعنى فمن ذلك
: الشهود فعندما يشهد الشهود على حق من الحقوق فإن ذلك من أعظم البراهين
على صدق المدّعي ومن هنا أمرنا الله بالإشهاد في الدَّيْن حفظا لهذا
الحق من الضياع فقال : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ( البقرة : 282 )
وهو في الحقيقة من أعظم الأدلة على صحة الدعوى كما ذكر ذلك الفقهاء ومن
هذا الباب أيضا : القرائن الدالة على القضية وفهم القاضي للمسألة
باختبار يجريه على المتخاصمين إلى غير ذلك من أنواع البيّنات
الحق أو لم تكتمل الأدلة على صحتها توجه القاضي إلى المدعى عليه وقد
سماه النبي صل الله عليه وسلم في هذا الحديث بالمنكر والمقصود أنه ينكر
الحق الذي يطالبه به خصمه وينكر صحة هذه الدعوى
عدم صدق هذه الدعوى فإذا فعل ذلك برئت ذمته وسقطت الدعوى والدليل
على ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال : ” كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صل الله عليه وسلم فقال رسول الله : ( شاهداك أو يمينه )
بالبينة والمنكر باليمين ؟ وما هي الحكمة من هذا التقسيم ؟ والجواب على
ذلك : أن الشخص إذا ادعى على غيره أمرا فإنه يدعي أمرا خفيا يخالف ظاهر
الحال فلذلك يحتاج إلى أن يساند دعواه تلك ببيّنة ظاهرة قوية تؤيد صحة
دعواه بينما يتمسّك المنكر بظاهر الأمر ويبقى على الأصل فجاءت الحجة
الأضعف – وهي اليمين – في حقه
عليه استحقاق خصمه وحلف على ذلك لزم القاضي أن يحكم لصالح المنكر لأنه
حكمه هذا مبني على ظاهر الأمر والحال
قضاء القاضي لا يحل حراما ولا يحل حلالا ولا يغير من حقائق الأمور لأن
القاضي لا يعلم الغيب وقد يكون هناك من الأدلة الزائفة أو الشهادات
الكاذبة ما يخفى عليه فيحكم بموجبها كما ثبت في البخاري و مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صل الله عليه وسلم قال : (
إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ
فإنما أقطع له قطعة من النار ) وشدد النبي صل الله عليه وسلم على تخويف الناس من أخذ الحرام فقال : ( من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر – أي كاذب – لقي الله وهو عليه غضبان ) وأنزل الله تصديق ذلك : {
إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في
الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب
أليم } ( آل عمران : 77 )
للأمة الإسلامية على الأمانة في أقوالهم والعدل في أحكامهم دون النظر
إلى لون أو جنس أو معرفة سابقة وجدير بمجتمع يقوم على هذه القيم أن يكتب
له التمكين على الأرض
ترتبط خيرية هذه الأمة ارتباطا وثيقا بدعوتها للحق وحمايتها للدين
ومحاربتها للباطل ذلك أن قيامها بهذا الواجب يحقق لها التمكين في الأرض
ورفع راية التوحيد وتحكيم شرع الله ودينه وهذا هو ما يميزها عن غيرها
من الأمم ويجعل لها من المكانة ما ليس لغيرها ولذلك امتدحها الله تعالى
في كتابه العزيز حين قال : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } ( آل عمران : 110 )
ذلك فإن في أداء هذا الواجب الرباني حماية لسفينة المجتمع من الغرق
وحماية لصرحه من التصدع وحماية لهويته من الانحلال وإبقاء لسموه ورفعته وسببا للنصر على الأعداء والتمكين في الأرض والنجاة من عذاب الله
وعقابه
القضية وأهميتها ينبغي علينا أن نعرف طبيعة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ونعرف شروطه ومسائله المتعلقة به ومن هنا جاء هذا الحديث ليسهم
في تكوين التصور الواضح تجاه هذه القضية ويبين لنا كيفية التعامل مع
المنكر حين رؤيته
الحديث أن إنكار المنكر على مراتب ثلاث : التغيير باليد والتغيير باللسان والتغيير بالقلب وهذه المراتب متعلقة بطبيعة هذا المنكر ونوعه
وطبيعة القائم بالإنكار وشخصه فمن المنكرات ما يمكن تغييره مباشرة باليد
ومن المنكرات ما يعجز المرء عن تغييره بيده دون لسانه وثالثة لا يُمكن
تغييرها إلا بالقلب فحسب
المنكر باليد على كل من تمكّن من ذلك ولم يُؤدّ إنكاره إلى مفسدةٍ أكبر
وعليه : يجب على الوالي أن يغير المنكر إذا صدر من الرعيّة ويجب مثل ذلك
على الأب في أهل بيته والمعلم في مدرسته والموظف في عمله وإذا قصّر
أحدٌ في واجبه هذا فإنه مضيّع للأمانة ومن ضيّع الأمانة فقد أثم ولذلك
جاءت نصوص كثيرة تنبّه المؤمنين على وجوب قيامهم بمسؤوليتهم الكاملة تجاه
رعيتهم – والتي يدخل فيها إنكار المنكر – فقد روى الإمام البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صل الله عليه وسلم يقول : (
كلكم راع ومسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل في
أهله راع وهو مسؤول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن
رعيتها والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم
مسؤول عن رعيّته ) بل إن النبي صل الله عليه وسلم قد بيّن عاقبة الذين يفرطون في هذه الأمانة فقال : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة )
وقد يقتضي المقام التصريح والتعنيف ولهذا جاءت في السنة أحداث ومواقف
كان الإنكار فيها علناً كإنكار النبي صل الله عليه وسلم على أسامة بن زيد –
رضي الله عنه – شفاعته في حد من حدود الله وإنكاره على من لبس خاتم
الذهب من الرجال وغير ذلك مما تقتضي المصلحة إظهاره أمام الملأ
القائم بالإنكار عن إبداء نكيره فعلا وقولا فلا أقل من إنكار المنكر
بالقلب وهذه هي المرتبة الثالثة وهي واجبة على كل أحد ولا يُعذر شخص
بتركها لأنها مسألة قلبيّة لا يُتصوّر الإكراه على تركها أو العجز عن
فعلها يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ”
إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد : جهادٌ بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم
ثم الجهاد بقلوبكم فمتى لم يعرف قلبه المعروف وينكر قلبه المنكر انتكس “
الأمة هذا الواجب بالكلية وأهملت العمل به عمت المنكرات في المجتمعات
وشاع الفساد فيها وعندها تكون الأمة مهددة بنزول العقوبة الإلهية عليها
واستحقاق الغضب والمقت من الله تعالى
أحوال الأمم الغابرة يجد أن بقاءها كان مرهونا بأداء هذه الأمانة وقد
جاء في القرآن الكريم ذكر شيء من أخبار تلك الأمم ومن أبرزها أمة بني
إسرائيل التي قال الله فيها : { لعن الذين كفروا من
بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } ( المائدة : 78 – 79 )
التفريط في هذا الواجب أن يألف الناس المنكر ويزول في قلوبهم بغضه ثم
ينتشر ويسري فيهم وتغرق سفينة المجتمع وينهدم صرحها وفي ذلك يضرب
لنا رسول الله صل الله عليه وسلم مثلا رائعا يوضح هذه الحقيقة فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صل الله عليه وسلم قال : (
مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة
فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من
الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا : لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ
من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم
نجوا ونجوا جميعا ) رواه البخاري
هو مسؤولية الجميع وكل فرد من هذه الأمة مطالب بأداء هذه المسؤولية على
حسب طاقته والخير في هذه الأمة كثير بيد أننا بحاجة إلى المزيد من
الجهود المباركة التي تحفظ للأمة بقاءها وتحول دون تصدع بنيانها وتزعزع
أركانها
تعليقات
إرسال تعليق