
(
لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم
على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا
يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا – ويشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ
من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله
وعرضه )
رواه مسلم
يستظل بفيئها من أراد السعادة إنها شجرة تؤتي أكلها كل حين شهيّة
ثمارها طيّبة ريحها تأوي إليها النفوس الظمأى لترتوي منها معاني الود
والمحبة والألفة والرحمة
مجرد علاقة شخصية ولكنها رابطة متينة قائمة على أساس من التقوى وحسن
الخلق والتعامل بأرقى صوره وهي في الوقت ذاته معلم بارز ودليل واضح
على تلاحم لبنات المجتمع ووحدة صفوفه وحسبك أن رسول الله صل الله عليه وسلم قد ربط الأخوة بالإيمان وجعل رعايتها من دلائل قوته وكماله ولا
عجب حينئذٍ أن يأتي الإسلام بالتدابير الكافية التي تحول دون تزعزع أركان
هذه الأخوّة
جاء هذا الحديث العظيم لينهى المؤمنين عن جملة من الأخلاق الذميمة والتي
من شأنها أن تعكر صفو الأخوة الإسلاميّة وتزرع الشحناء والبغضاء في نفوس
أهلها وتثير الحسد والتدابر والغش والخداع وأخلاقاً سيئة أخرى جاء
ذكرها في الحديث
على الأرض وهو الداء العضال الذي تسلل إلينا من الأمم الغابرة فأثمر
ثماره النتنة في القلوب وأي حقد أعظم من تمني زوال النعمة عن الآخرين ؟
يقول النبي صل الله عليه وسلم : ( دب إليكم داء الأمم : الحسد والبغضاء ألا إنها هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) رواه الترمذي
ذلك فإن الحسد في حقيقته تسخّط على قضاء الله وقدره واعتراضٌ على تدبير
الله وقسمته للأرزاق والأقوات وهذه جناية عظيمة في حق الباري تبارك
وتعالى وقد قال بعضهم :
وأصل النجش : استخدام المكر والحيلة والسعي بالخديعة لنيل المقصود
والمراد ولا شك أن هذا لون من ألوان الغش المحرم في الشرع والمذموم في
الطبع إذ هو مناف لنقاء السريرة التي هي عنوان المسلم الصادق وزد على
ذلك أن في التعامل بها كسرٌ لحاجز الثقة بين المؤمنين
والتحايل لكن أشهر صورها النجش في البيع ويكون ذلك إذا أراد شخص أن
يعرض سلعة في السوق رغبةً في بيعها فيتفق مع أشخاص آخرين بحيث يُظهرون
للمشتري رغبتهم في شراء هذه السلعة من البائع بسعر أكبر مما يضطر المشتري
إلى أن يزيد في سعر السلعة فهذا وإن كان فيه منفعة للبائع فهو إضرار
بالمشتري وخداع له
التي جاء ذمها في الحديث البغضاء بين المؤمنين والتدابر والتهاجر
والاحتقار ونظرات الكبر وغيرها من الأخلاق المولّدة للشحناء والمسبّبة
للتنافر
ينهى عن مثل هذه المسالك المذمومة فإنه يهدف إلى رعاية الإخاء الإسلامي
وإشاعة معاني الألفة والمحبة حتى يسلم أفراد المجتمع من عوامل التفكك
وأسباب التمزق فتقوى شوكتهم ويصبحوا يدا واحدة على أعدائهم فالمؤمن
ضعيف بنفسه قوي بإخوانه ومن هنا جاء التوجيه في محكم التنزيل بالاعتصام
بحبل الله والوحدة على منهجه ونبذ كل مظاهر الفرقة والاختلاف يقول
الله عزوجل في كتابه : { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } ( آل عمران : 103 )
الوحدة مداها حتى يرعى المسلم حقوق إخوانه المسلمين ويؤدي ما أوجبه الله
عليه تجاههم ولتحقيق ذلك لابد من مراعاة جملة من الأمور فمن ذلك :
العدل معهم والمسارعة في نصرتهم ونجدتهم بالحقّ في مواطن الحاجة كما
قال الله عزوجل في كتابه : { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر } ( الأنفال : 72 ) وقد حثّ النبي صل الله عليه وسلم على ذلك ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صل الله عليه وسلم : (
انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال رجل : يا رسول الله أنصره إذا كان
مظلوما أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره ؟ قال : تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره )
مأمور بالحفاظ على حرمات المسلمين وصيانة أعراضهم وأموالهم وأعراضهم
فلا يحل له أن يصيب من ذلك شيئا بغير حق ، وحسبك أن النبي صل الله عليه وسلم اختار أشرف البقاع وأشرف الأيام وتحيّن موقف الحاجة إلى الموعظة
لينبّه الناس إلى ذلك الأمر العظيم لقد خطب الناس يوم النحر فقال : ( يا أيها الناس أي يوم هذا ؟ ) قالوا : يوم حرام قال : ( فأي بلد هذا ؟ ) قالوا : بلد حرام قال : ( فأي شهر هذا ؟ ) قالوا : شهر حرام قال : ( فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا )
المسلمون تلك المباديء التي أصلها هذا الحديث وصارت أخوّتهم واقعا ملموسا فسوف نشهد أيّاما من العزة والرفعة لهذه الأمة وسوف يصبح التمكين لها
قاب قوسين أو أدنى بإذن الله تعالى
الحديث السابع والثلاثون
من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم
القيامة ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر
مؤمنا ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في
عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم
إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله
فيمن عنده ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه ) رواه مسلم
بذكر مكارم الأخلاق والحث عليها وجعل لها مكانة عظيمة ورتّب عليها عظيم
الأجر والثواب ومن ذلك هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه
النبي صل الله عليه وسلم في أوّل وصيّته على تنفيس الكرب عن المؤمنين ولا ريب أن هذا العمل عظيم عند الله عظيم في نفوس الناس إذ الحياة
مليئة بالمشقات والصعوبات مطبوعة على التعب والكدر وقد تستحكم كربها
على المؤمن حتى يحار قلبه وفكره عن إيجاد المخرج
أعظم أن يسارع المسلم في بذل المساعدة لأخيه ومد يد العون له والسعي
لإزالة هذه الكربة أو تخفيفها وكم لهذه المواساة من أثر في قلب المكروب
ومن هنا ناسب أن يكون جزاؤه من الله أن يفرّج عنه كربة هي أعظم من ذلك
وأشد : إنها كربة الوقوف والحساب وكربة السؤال والعقاب فما أعظمه من
أجر وما أجزله من ثواب
الأخلاق : التجاوز عن المدين المعسر فقد حث الشارع أصحاب الحقوق على
تأخير الأجل للمعسرين وإمهالهم إلى حين تيسّر أحوالهم يقول الله عز وجل :
{ وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } ( البقرة : 280 ) وأعلى من ذلك أن يُسقط صاحب الحق شيئا من حقه ويتجاوز عن بعض دينه ويشهد لذلك ما رواه البخاري و مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال : ( كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه : إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فلقي الله فتجاوز عنه )
على ستر عيوب المسلمين وعدم تتبع أخطائهم وزلاتهم وذلك لون آخر من
الأخلاق الفاضلة التي تكلّلت بها شريعتنا الغرّاء فالمعصوم من عصمه الله
والمسلم مهما بلغ من التقى والإيمان فإن الزلل متصوّر منه فقد يصيب
شيئاً من الذنوب وهو مع ذلك كاره لتفريطه في جنب الله كاره أن يطلع
الناس على زلَله وتقصيره فإذا رأى المسلم من أخيه هفوة فعليه أن يستره
ولا يفضحه دون إهمال لواجب النصح والتذكير
يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا
المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه
المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله )
للعلم منزلة عظيمة ومكانة رفيعة جاء الحديث ليؤكد على فضله وعلو شأنه فهو سبيل الله الذي ينتهي بصاحبه إلى الجنة والمشتغلون به إنما هم
مصابيح تنير للأمة طريقها وهم ورثة الأنبياء والمرسلين لذلك شرّفهم
الله تعالى بالمنزلة الرفيعة والمكانة عالية ، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلم قال : (
إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإنه ليستغفر للعالم من في
السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر
على سائر الكواكب ) رواه أحمد فهم أهل الذكر وهم أهل الخشية وشتان بين العالم والجاهل
تتأمل ما رتبه الله من الأجر والثواب لأولئك الذين اجتمعوا في بيت من بيوت
الله تعالى يتلون آياته وينهلون من معانيه لقد بشّرهم بأمور أربعة :
أن تتنزّل عليهم السكينة وتعمهم الرحمة الإلهية وتحيط بهم الملائكة
الكرام والرابعة – وهي أحلاها وأعظمها – : أن يذكرهم الله تعالى في ملأ
خير من ملئهم ويجعلهم محل الثناء بين ملائكته ولو لم يكن من فضائل
الذكر سوى هذه لكفت
البشارات العظيمة لا تُنال إلا بجدّ المرء واجتهاده لا بشخصه ومكانته
فلا ينبغي لأحد أن يتّكل على شرفه ونسبه فإنّ ميزان التفاضل عند الله
تعالى هو العمل الصالح فلا اعتبار لمكانة الشخص إن كان مقصّرا في العمل
ولذا يقول الله عزوجل في كتابه : { فإذا نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } (
المؤمنون : 101 ) وهذا رسول الله صل الله عليه وسلم لم يغن عن أبي
طالب شيئا ولقد جسّد النبي صل الله عليه وسلم هذا المعنى في كلمات جامعة
حين قال : ( ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه )
الحديث الثامن والثلاثون
إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن : فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها
الله عنده حسنة كاملة وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى
سبعمئة ضعف وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن
همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة ) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما
تعالى دائرة بين الفضل والعدل فما من تقدير في هذه الحياة بل ولا شيء
في الدنيا والآخرة إلا داخلٌ ضمن فضل الله وعدله فرحمته سبحانه
بالمؤمنين فضل وتعذيبه للعاصين عدل وهو – جلّ وعلا – مع ذلك أخبر أن
رحمته سبقت غضبه وأن رحمته وسعت كل شيء وأَمَرَنا أن نسأله من فضله
وعطائه الجزيل
الذي بين أيدينا خير شاهد على فضل الله تعالى على عباده المؤمنين فالله
سبحانه وتعالى لما حثّ عباده على التسابق في ميادين الطاعة والعبادة لم
يجعل جزاء الحسنة بمثلها ولكنه ضاعف أجرها وثوابها عشرة أضعاف كما قال
سبحانه : { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } (
الأنعام : 160 ) ثم ضاعف هذه العشرة سبعين ضعفا ولم يقف الأمر عند هذا
الحد بل إن الله تعالى يُكاثر هذه الحسنات ويضاعفها أضعافا كثيرة لمن
شاء من عباده
القرآن تصوير هذه الحقيقة في مثل رائع يجسد فيه معنى المضاعفة ويقرّب
صورتها إلى أذهان السامعين إنه مشهد من يبذر بذرة في أرض خصبة فتنمو
هذه البذرة وتكبر حتى تخرج منها سبع سنابل العود منها يحمل مائة حبة ثم
تتضاعف هذه السنابل على نحو يصعب على البشر عده وإحصاؤه كذلك حال المؤمن
المخلص لربه المحسن في عمله قال تعالى في محكم التنزيل : { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم } ( البقرة : 261 )
الله عند هذا الحد بل يتسع حتى يشمل مجرد الهم والعزم على فعل العمل
الصالح فإن العبد إذا هم بالحسنة ولم يفعلها كتب الله له حسنة كاملة لأن الله سبحانه جعل مجرد إرادة الخير عملا صالحا
يستحق العبد أن ينال عليه أجرا
ولعل السر في ذلك : أن العبد إذا كان الدافع له على ترك المعصية هو خوف
الله والمهابة منه فعندها تُكتب له هذه الحسنة وقد أتى بيان ذلك في
الرواية الأخرى لهذا الحديث : ( وإن تركها – أي السيئة – فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي ) ومعناها : طلبا لرضا الله تعالى
همّ بالسيئة وسعى لفعلها ثم عرض له عارض منعه من التمكن منها فهذا وإن
لم يعمل السيئة إلا أنه آثم بها مؤاخذ عليها لأنه سعى إلى المعصية
ولم يردعه عن الفعل خوف من الله أو وازعٌ من الضمير ويشهد لهذا قول
النبي صل الله عليه وسلم : ( إذا التقى المسلمان
بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقيل : يا رسول الله هذا القاتل
فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه )
العبد هذه المعاني السامية أفاضت على قلبه الطمأنينة والسكينة والرجاء
بالمغفرة ودفعته إلى الجد في الاستقامة والتصميم على المواصلة بعزيمة
لا تنطفئ وهمّة لا تلين
الحديث التاسع والثلاثون
إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرّب إليّ
عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرّب إليّ
بالنوافل حتى أُحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي
يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينّه
ولئن استعاذني لأعيذنّه ) رواه البخاري
عن قوم اصطفاهم الله بمحبّته وآثرهم بفضله ورحمته أولئك الذين اعتصموا
بأسباب السعادة والنجاح واجتهدت نفوسهم في نيل الرضا والفلاح ولم تملّ
أبدانهم قطّ من طول العبادة فأفاض الله عليهم من أنواره وجعل لهم مكانة
لم يجعلها لغيرهم وتولاّهم بنصرته وتأييده أولئك هم أولياء الله
يونس : 62 – 63 ) وأنّى لهم أن يخافوا وقد آمنوا بالله وتوكّلوا عليه ؟
وأنّى لهم أن يحزنوا وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه ؟ فأثمر إيمانهم
عملا صالحا وسكينة في النفس ويقينا في القلب
علو شأنهم وسمو قدرهم أن أعلن ربّ العزّة الحرب على كل من أراد بهم
سوءاً أو ألحق بهم أذى كما جاء في قوله صل الله عليه وسلم : ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب )
القاريء الكريم كيف يدافع الله عن أوليائه وأحبائه وكيف يمدّهم بالنصرة
والتأييد ثم انظر كيف يتوعّد من عاداهم بالحرب حينها تعلم أن الله
تعالى لا يتخلى عن أوليائه أو يتركهم فريسة لأعدائهم – ولو تأخّر هذا النصر
وطالت مدّته – فهذه النصرة وهذا التأييد إنما هو مرتبط بسنن الله التي
لا تتغيّر ولا تتبدّل وسنّة الله اقتضتْ أن يمهل الظالمين دون إهمالٍ لهم
، فإن تابوا وأنابوا وزالت عداوتهم للصالحين تاب الله عليهم وإن
أصرّوا على باطلهم وتمادوا في غيّهم فإنّ الله يملي لهم استدراجاً
ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر وبذلك ينتصر الله لأوليائه ويجعل العاقبة لهم
والغلبة على من عاداهم
المكانة شرف عظيم ونعمة كبرى يختصّ الله بها من يشاء من عباده وحق لنا
أن نتسائل : ما الطريق الذي يعيننا على نيل هذه المرتبة العظيمة ؟
فهذه المنزلة لا تُنال حتى يرفع العبد شعار العبودية لله فيتقرب إليه
أولا بما فرضه عليه من الأوامر ومايلزمه ذلك من مجانبة المعاصي والمحرمات
المؤمن إلى رتبة هي أعلى من ذلك وأسمى وهي التودد إلى الله تعالى
بالنوافل والاجتهاد في الطاعات فيُقبل على ربّه مرتادا لميادين الخير يشرب من معينها ويأكل من ثمارها حتى يصل إلى مرتبة الإحسان والتي
وصفها رسول الله صل الله عليه وسلم بقوله : ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك )
عند هذه الدرجة عجيب إذ يمتليء قلبه محبة لربه وشوقا للقائه وخوفا من
غضبه وعقابه ومهابة وإجلالا لعظمته فما بالك بعبد يقف بين يدي ربه
وكأنه يراه رأي العين فلا تعجب من اليقين الذي يبلغه والسمو الإيماني
الذي يصل إليه
ذلك المؤمن ملهماً في كل أعماله موفقاً في كل أحواله فلا تنقاد جوارحه
إلا إلى طاعة ولا ينساب إلى سمعه سوى كلمات الذكر ولا يقع ناظره إلا
على خير ولا تقوده قدماه إلا إلى ما يحبه الله وهذا هو المعني بقوله صل الله عليه وسلم : ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ) وجدير بعبد وصل إلى هذه الدرجة أن يجيب الله دعاءه ويحقق سؤله ويحميه من كل ما يضره وينصره على عدوه
أن يدعو لي فأتيت فدققت عليه وهو في دهليزه فقال : من هذا ؟ قلت : رجل
سألتني أمي وهي مقعدة أن أسألك الدعاء فسمعت كلامه كلام رجل مغضب فقال :
نحن أحوج أن تدعو الله لنا فوليت منصرفا فخرجت عجوز فقالت : قد تركته
يدعو لها فجئت إلى بيتنا ودققت الباب فخرجت أمي على رجليها تمشي ”
وعن عبيد الله بن أبي جعفر قال : ” غزونا
القسطنطينية فكُسر بنا مركبنا فألقانا الموج على خشبة في البحر – وكنا
خمسة أو ستة – فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منا فكنا نمصّها
فتشبعنا وتروينا فإذا أمسينا أنبت الله لنا مكانها حتى مر بنا مركب
فحملنا “
الحديث الأربعون
السابقة تؤاخذ على أخطائها وتحاسب على جميع أفعالها دون أن تكون مبررات
الجهل أو النسيان شفيعةً لهم أو سببا في التجاوز عنهم في حين أن هذه
الأغلال قد رُفعت عن هذه الأمة استجابةً لدعائهم ورحمةً من الله بهم
كما بيّن الله تعالى ذلك في قوله تعالى : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ( البقرة : 286 ) وقوله سبحانه : { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما } ( الأحزاب : 5 )
بين أيدينا ما هو إلا مظهر من مظاهر رفع الأغلال والآصار عن أمة نبينا محمد
صل الله عليه وسلم ويتجلّى ذلك إذا علمنا أن هذا الحديث يدخل فيه كثير
من الأحكام الشرعية في مختلف أبواب العلم حتى إن الإمام النووي رحمه الله قال : ” وهذا الحديث اشتمل على فوائد وأمور مهمة لو جُمعت لبلغت مصنفا “
في ذلك لأننا إذا تأملنا أفعال العباد فإنها لا تخلو من حالين : أن تكون
صادرة عن قصد واختيار من المكلف – وهذا هو الفعل العمد الذي يحاسب عليه
صاحبه ويؤاخذ به – أو ألا يكون عمله مبنيا على القصد والاختيار وهذا
يشمل الإكراه والنسيان والخطأ وهو ما جاء الحديث ببيانه
فهو أن يريد الإنسان فعل شيء فيأتي فعله على غير مراده فهذا قد بينت
الشريعة أن الله قد تجاوز عنه ولم يؤاخذ صاحبه به
ففي هذه الحادثة لم يقصد هذا الصحابي أن يقتل نفسه بل كان يريد أن يقتل
ذلك المشرك فجاءت ضربته عليه فبين النبي صل الله عليه وسلم أن خطأه هذا
معفو عنه
الإثم والحرج عن المخطيء لا يعني بالضرورة عدم ترتب أحكام خطئه عليه
خصوصا فيما يتعلق بحقوق العباد لذلك يطالب المسلم بالدية والكفارة إذا
قتل مسلما خطأ كما بين الله تعالى ذلك في قوله : {
وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة
ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير
رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير
رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما
حكيما } ( النساء : 92 )
البقرة : 286 ) ومع ذلك فإن الأحكام الأخرى تترتب عليه كما أشرنا سابقا
فمن نسي الصلاة فيجب عليه أن يقضيها متى ما ذكرها ومن نسي الوضوء ثم
صلّى فإنه تلزمه إعادة تلك الصلاة
أهل العلم جملة من المسائل لا تدخل ضمن قاعدة رفع الحرج بالإكراه نحو قتل
النفس المعصومة أو الزنا ونحو ذلك مما ذكره أهل العلم في كتب قواعد الفقه
فإن هذا الحديث من أوضح الأدلة على يُسر منهج الإسلام وسماحته كما إنه
دليل على فضل هذه الأمة على غيرها من الأمم حيث خفّف الله عنها ما كان
على الأمم قبلها فلله الحمد من قبل ومن بعد على نعمة الإسلام
الحديث الحادى والأربعون
في حقيقة هذه الدنيا نعلم أنها لم تكن يوما دار إقامة أو موطن استقرار
ولئن كان ظاهرها يوحي بنضارتها وجمالها إلا أن حقيقتها فانية ونعيمها
زائل كالزهرة النضرة التي لا تلبث أن تذبل ويذهب بريقها
التي غرّت الناس وألهتهم عن آخرتهم فاتخذوها وطنا لهم ومحلا لإقامتهم
لا تصفو فيها سعادة ولا تدوم فيها راحة ولا يزال الناس في غمرة الدنيا
يركضون وخلف حطامها يلهثون حتى إذا جاء أمر الله انكشف لهم حقيقة
زيفها وتبين لهم أنهم كانوا يركضون وراء وهم لا حقيقة له وصدق الله
العظيم إذ يقول : { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } ( آل عمران : 185 )
حال المسلم في الدنيا ودون أن يحذّرهم من الركون إليها فهو الرحمة
المهداة والناصح الأمين فكان يتخوّلهم بالموعظة ويضرب لهم الأمثال
ولذلك جاء هذا الحديث العظيم بيانا وحجة ووصية خالدة
شبّه النبي صل الله عليه وسلم مُقام المؤمنين في الدنيا بحال الغريب
فإنك لا تجد في الغريب ركونا إلى الأرض التي حل فيها أو أُنسا بأهلها
ولكنه مستوحش من مقامه دائم القلق لم يشغل نفسه بدنيا الناس بل اكتفى
منها بالشيء اليسير
الحديث غربة المؤمن في هذه الدنيا والتي تقتضي منه التمسّك بالدين
ولزوم الاستقامة على منهج الله حتى وإن فسد الناس أو حادوا عن الطريق
فصاحب الاستقامة له هدف يصبو إليه وسالك الطريق لا يوهنه عن مواصلة
المسير تخاذل الناس أو إيثارهم للدعة والراحة وهذه هي حقيقة الغربة
التي أشار إليها النبي صل الله عليه وسلم في قوله : ( بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء ) رواه مسلم
المسلم سالكاً لطريق الاستقامة حرص على قلّة مخالطة من كان قليل الورع
ضعيف الديانة فيسلم بذلك من مساويء الأخلاق الناشئة عن مجالسة بعض الناس
كالحسد والغيبة وسوء الظن بالآخرين وغير ذلك مما جاء النهي عنه
والتحذير منه
سبق أن مخالطة الناس مذمومة بالجملة أو أن الأصل هو اعتزال الناس
ومجانبتهم فإن هذا مخالف لأصول الشريعة التي دعت إلى مخالطة الناس وتوثيق
العلاقات بينهم يقول الله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } ( الحجرات : 13 ) وقد جاء في الحديث الصحيح : ( المسلم إذا كان مخالطا الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ) رواه الترمذي ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين كان يخالط الناس ولا يحتجب عنهم
في هذه المسألة : أن يعتزل المرء مجالسة من يضرّه في دينه ويشغله عن
آخرته بخلاف من كانت مجالسته ذكرا لله وتذكيرا بالآخرة وتوجيها إلى
ما ينفع في الدنيا والآخرة
ففي هذه العبارة ترقٍّ بحال المؤمن من حال الغريب إلى حال عابر السبيل
فعابر السبيل : لا يأخذ من الزاد سوى ما يكفيه مؤونة الرحلة ويعينه على
مواصلة السفر لا يقر له قرار ولا يشغله شيء عن مواصلة السفر حتى يصل
إلى أرضه ووطنه
الله : ” إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي
ذلك بهم إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين
يديها فافعل فإن انقطاع السفر عما قريب والأمر أعجل من ذلك فتزود
لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك “
المؤمن مقبلا على ربه بالطاعات صارفا جهده ووقته وفكره في رضا الله
سبحانه وتعالى لا تشغله دنياه عن آخرته قد وطّن نفسه على الرحيل
فاتخذ الدنيا مطيّة إلى الآخرة وأعد العدّة للقاء ربه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صل الله عليه وسلم : ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ) رواه الترمذي
الله عنهما فكان لهذا التوجيه النبوي أعظم الأثر في نفسه ويظهر ذلك
جليا في سيرته رضي الله عنه فإنه ما كان ليطمئنّ إلى الدنيا أو يركن
إليها بل إنه كان حريصا على اغتنام الأوقات كما نلمس ذلك في وصيّته
الخالدة عندما قال رضي الله عنه : ” إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا
أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك “
الحديث الثانى والأربعون
المباديء التي حرص الإسلام على ترسيخها في النفوس المؤمنة الانقياد
لأحكام الشرع وتعاليمه بحيث تصبح أقوال الإنسان وأفعاله صادرة عن الشرع
مرتبطة بأحكامه وحينئذٍ تتكامل جوانب الإيمان في وجدانه كما قال النبي
صل الله عليه وسلم في الحديث الذي معنا : ( لا يُؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به )
مدلوله في بيان ضرورة التزام منهج الله تعالى والإذعان لأحكامه وشرائعه
فإن المؤمن إذا رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صل الله عليه وسلم
نبيا حمله ذلك على أن يحكّم شرع الله في حياته فيحل حلاله ويحرم
حرامه ويحب ما دعا إليه ويبغض ما نهى عنه ولا يجد في ذلك ضيقا أو
تبرما بل إننا نقول : لا يعد إيمان العبد صادقا حتى يكون على مثل هذه
الحالة من الانقياد ظاهرا وباطنا والتسليم التام لحكم الله ورسوله كما
دلّ عليه قوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ( النساء : 56 )
قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها
وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في
سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } ( التوبة : 24 )
بهذه المحبة مجرد كلمات تقال أو شعارات ترفع لا تثمر عملا ولا انقيادا
فإن لكل محبة دليلا ودليل صدق المحبة موافقة المحبوب في مراده وعدم
إتيان ما يكرهه أويبغضه وإلا فهي دعاوى لا حقيقة لها وقد قال العلماء :
” كل من ادّعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة “
سير الصحابة الكرام ومن بعدهم فتعتريك الدهشة حين تجد منهم الامتثال
الفوري للدين دون تأخير أو إبطاء واستمع إلى أنس رضي
الله عنه وهو يصف لنا مشهدا من غزوة خيبر فيقول : ” أصبنا حمرا فطبخناها
فنادى منادي النبي صل الله عليه وسلم يقول : إن الله ورسوله ينهيانكم عن
لحوم الحمر فإنها رجس فأكفئت القدور بما فيها وإنها لتفور باللحم ”
وقريبٌ من ذلك ما ذكر في يوم تحريم الخمر إذ امتلأت طرق المدينة بالخمور
المراقة على الأرض هذا مع شدة حبهم لها وتعلقهم بها منذ الجاهلية
ولكنهم رضي الله عنهم قدموا رضا الله فوق كل شيء ولم يتقاعسوا عن
طاعته طرفة عين
أن الغاية المطلوبة هي إخضاع رغبات النفس ومرادها لأوامر الشرع وليس
المراد أن يحصل التوافق التام بين رغباتها وبين مراد الشارع فإن ذلك في
الحقيقة أمر عسير إذ النفس مفطورة على اتباع الهوى والأمر بالسوء فجاء
الحديث ليبيّن أن اكتمال الإيمان مرهون بالانقياد للشرع ولم يعلّق كمال
الإيمان على تغيير طبيعة النفس المجبولة على حب المعاصي والشهوات إلا من
رحم الله
أن مخالفة الهوى تتطلّب همّة عالية وعزيمة صادقة فلا عجب أن يكون جهاد
النفس من أفضل الجهاد عند الله كما قال النبي صل الله عليه وسلم : ( أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه ) رواه ابن النجار وصحّحه الألباني
الحديث الثالث والأربعون
قال الله عزوجل : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك
ولا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت
لك يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي
شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح
حديث يأسر القلب ويأخذ بمجامع النفس يستمطر الدمع ويهيّج في الوجدان
مشاعر التوبة والرجاء لتتلاشى معه أسباب اليأس والقنوط إنه هتاف
سماويٌّ لو تردد في جنباتنا لأفاض عليها شوقا وحنينا إلى خير من مُدّت إليه
الأيادي ولهجت بذكره الألسنة فيالها من موعظة ويالها من تذكرة
الحديث ليزفّ إلى الناس البشرى فرحمة الله واسعة وفضله عظيم لا يقف
عند حدّ ولا يحصيه عدّ فغدا هذا الحديث إبهاجا للتائبين وأملاً
للمذنبين وفرصة لمن أسرف على نفسه بالمعصية أو فرّط فيما مضى من حياته
ولعلك أيها القاريء الكريم تدرك بذلك سر المكانة التي حازها هذا
الحديث دون غيره حتى إن كثيرا من العلماء ليرون أنه أرجى حديث في السنة
كلها
الحديث في بيانه لأسباب حصول المغفرة ويأتي الدعاء في مقدّمة تلك
الأسباب والدعاء قربة عظيمة وصلة مباشرة بين العبد وربّه وهي سلاح
المؤمن الذي يتسلّح به في الشدائد والكربات
العبادة شروطاً ينبغي استكمالها ليكون الدعاء جديراً بالإجابة وأدعى
للقبول فمن ذلك : حسن الظن بالله والرجاء والأمل بالمغفرة كما بيّن
ذلك النبي صل الله عليه وسلم في قوله : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ) رواه الترمذي ولابد أن يكون لهذا الرجاء رصيداً من العمل الصالح لا أن يكون مجرد أمنية وأحلاماً زائفة
ذلك : فإن على المسلم حال دعائه أن يعزم في المسألة ويجزم في الطلب فقد
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال : ( لا يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة فإنه لا مكره له ) رواه البخاري
المطاف إلى الحديث عن الاستغفار وهو طلب الستر والتجاوز عن الذنب وقد
أثنى الله سبحانه وتعالى على المستغفرين في كتابه فقال : { والمستغفرين بالأسحار } ( آل عمران : 17 ) كما رتّب حصول المغفرة عليه فقال : { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } ( النساء : 110 )
ذلك فإن للاستغفار مزيد فضل على غيره من العبادات إذ لا تقتصر بركته
على محو الخطايا وتكفير السيئات بل يمتدّ خيره إلى السماء فتنزل أمطارها
وإلى الأرض فتنبت زروعها وثمارها ويحصل به النماء في الذريّة والقوّة
في العُدّة ولا أدلّ على ذلك من قوله تعالى : { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } ( نوح : 10 – 12 )
يكن غريبا أن ترى الأمر بالاستغفار في كثير من الآيات الكريمات ولم يكن
غريبا أن يتكرر الاستغفار على لسان كثير من الأنبياء والمرسلين بل كان
نبينا صل الله عليه وسلم يُعدّ له في المجلس الواحد مائة استغفار كما
ورد في سيرته
الاستغفار صادقا إلا حين يصدر من قلب مؤمن مستحضر لجلال الرب وعظمته نادم
على ما كان منه من تفريط وتقصير عازم على التوبة والإنابة وإلا فهي
توبة جوفاء لا تنفع صاحبها
الأنعام : 82 ) فامتدح من كان إيمانه نقيّا خالصا من عوالق الشرك
وبشّرهم بالسلامة من دخول النار ولا عجب في ذلك فإن الذنوب كلها تتصاغر
أمام عظمة التوحيد ومن ثمّ تكفّل الله تعالى لمن لم يشرك به شيئاً أن لا
يعذّبه كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه : ( وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئاً ) رواه البخاري
تعليقات
إرسال تعليق